ابن كثير

179

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ محمد : 30 ] لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها ، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين ، وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقا وإن كان يراه صباحا ومساء . وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد « 1 » في مسنده حيث قال : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم عن رجل عن جبير بن مطعم رضي اللّه عنه ، قال قلت : يا رسول اللّه إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة فقال : « لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب » وأصغى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم برأسه فقال « إن في أصحابي منافقين » ومعناه أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين من الكلام بما لا صحة له ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم ، وتقدم في تفسير قوله وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا أنه صلى اللّه عليه وسلم أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقا ، وهذا تخصيص لا يقتضي أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم ، واللّه أعلم . وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عمر البيروتي من طريق هشام بن عمار : حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا ابن جابر ، حدثني شيخ ببيروت يكنى أبا عمر ، أظنه حدثني عن أبي الدرداء أن رجلا يقال له حرملة أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : الإيمان هاهنا وأشار بيده إلى لسانه ، والنفاق هاهنا وأشار بيده إلى قلبه ، ولم يذكر اللّه إلا قليلا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم اجعل له لسانا ذاكرا ، وقلبا شاكرا ، وارزقه حبي وحب من يحبني ، وصير أمره إلى خير » فقال : يا رسول اللّه إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأسا فيهم أفلا آتيك بهم ؟ قال : « من أتانا استغفرنا له ، ومن أصر فاللّه أولى به ، ولا تخرقن على أحد سترا » ، قال وكذا رواه أبو أحمد الحاكم عن أبي بكر الباغندي عن هشام بن عمار به . وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن قتادة في هذه الآية أنه قال : ما بال أقوام يتكلفون علم الناس ، فلان في الجنة وفلان في النار ، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال لا أدري لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأحوال الناس ، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه الأنبياء قبلك ، قال نبي اللّه نوح عليه السلام وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وقال نبي اللّه شعيب عليه السلام بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ وقال اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ « 2 » . وقال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في هذه الآية قال : قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال : « اخرج يا فلان فإنك منافق ، واخرج يا فلان إنك منافق » فأخرج من المسجد

--> ( 1 ) المسند 4 / 82 ، 83 ، 84 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 456 .